أحمد بن محمد ابن عربشاه

452

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

فقال : تفكرت ما مضى من الزمان الناضر ، وما تقضى فيه من طيب العيش وانشراح الخاطر ، وقد تبدل وجوده بالعدم ولم يحصل من ذلك سوى الذنوب والندم ، وقد وهنت العظام واستولى على الجسد السقام ، وتزلزلت أركان الأعضاء ، وتراكمت فنون الأدواء ، واشتعل الشيب واتقد ، وحرّ الآلام وقد : عزمت على إخلاء جسمي روحه * من خرق شيب كلّ عنه الرّاقع قلت اسكنيه يا عمارة عمره * قالت فكيف وبيت جسمك واقع ثم قال : ولم أفق من هذه السكرة ولا وقعت في هذه الفكرة ، إلا وسفينة العمر بالساحل قد أرست ، وأصيل شمس العيش على قلّة الفناء أمست ، فما أمكنني إلا التلافي بالتوبة والندم ، قبل حلول نوائب الأجل وزلة القدم ، والتطهر من جنابة المظالم بمياه الاستعبار ، والالتجاء إلى جانب الحق بالإلظاظ « 1 » في الاستغفار ، وغسل أوساخ الذنوب والمظالم بدموع الإنابة والاعتذار : وما أقبح التّفريط في زمن الصّبا * فكيف به والشّيب للرأس شامل فاعلمى أن جامع هواي قلع ضرس الآمال والطمع ، وجارح متمناى نزع خوافى الشره والهلع ، وقد قدمت إلى هذا المكان لأتحلل من الأسماك والحيتان ، فإني طالما أغرت على عشائرهم وأولادهم ، وخضت في دماء قلوبهم وأكبادهم ، وشتت شملهم وخوفت جلهم وقلهم ، وأرعبتهم وأرهبتهم ، وأقلقتهم وفرقتهم ، وغربتهم وبالدماء شرقتهم ، فرأيت براءة الذّمة في الأولى أولى ، والمبادرة بالتوبة قبل المصير إلى الأخرى أحرى ، فلعل أحمال الذنوب تخف وسحائب الغفران تكف .

--> ( 1 ) الإلظاظ : جمع لظ . ويقال لظ بالشئ أي لزمه وألح عليه . والإلظاظ : أي الإلحاح والملازمة .